الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2011

(ساحات الفداء)..هل عادت الإنقاذ للمربع الأول؟



بنداء (البروجي) المميز من على تل عال، كان المشاهدون يستقبلون برنامج (في ساحات الفداء) على قناة التلفزيون القومي مساء الجمعة من كل أسبوع، البرنامج انقطع بثه مع اقتراب سحائب اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، ولكن ها هو يعود مجددا بعد انقطاع استمر زهاء ستة أعوام هي عمر الفترة الانتقالية التي توجت بانفصال الجنوب في يناير الماضي، ها هو البرنامج الجهادي يعود إلى البث مرة أخرى بحلة جديدة.



<<<<<<<<<



ما نشر عن انطلاق برنامج (ساحات الفداء) مساء السبت الماضي مثل خبرا جيدا للكثير من متابعي البرنامج في الفترة السابقة، وقد استبشروا بعودة البرنامج مجدداً وفقا للزميلة (الأهرام اليوم)، واحتفلوا به على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالانترنت (الفيس بوك) بإعلان يقول: "تابعوا البرنامج اليوم السبت عقب نشرة الأخبار الرئيسية على تلفزيون السودان".ولكن انتظار متابعي البرنامج طال كثيرا ولم يعرض البرنامج في التوقيت المحدد، لتقول مصادر مطلعة إن عرض البرنامج تعذر لأسباب فنية، غير أن مصادر مطلعة أكدت لـ(السوداني) أن البرنامج لم يوضع بعد في خارطة البرامج التلفزيونية، وأنه من السابق لأوانه الحديث عن توقيت بثه.الدور الأولعودة برنامج (ساحات الفداء) من جديد مع إطلاق صافرة الجمهورية الثانية فتح العديد من الأسئلة خاصة أن البرنامج قد لعب دورا كبيرا في عقد (الإنقاذ) الأول وساهم في تجييش العديد من الشباب، لكن منذ تلك الفترة وإلى اليوم مرت مياه كثيرة تحت الجسر أدت إلى تغيير المشهد والخارطة السياسية، كل تلك التفاصيل أدت بدورها إلى تبديل الحال، وانقلب الإخوة في الحركة الإسلامية (الحاكمون) إلى أعداء على بعضهم وصار رفقاء (صيف العبور) يتصارعون في (مدخل أم درمان)، بعد أن خرج بعض الإخوة من الخرطوم بقيادة أمير الدبابين خليل إبراهيم وأعلنوا تمردهم على قياداتهم، وظلوا يحاولون مرارا الدخول إليها مجددا عبر (التاتشر).في ذاك الزمان وبالتحديد زمن بث البرنامج كان الجميع يلاحظ بطء حركة المارة في الشوارع، والكل كان يقبع أمام التلفاز خاصة من كان له ابن في الأحراش، لدرجة أن المار أثناء بث البرنامج بأزقة الأحياء لا تسمع أذناه سوى صوت المارشات العسكرية الدالفة من أجهزة التلفاز التي يرفع المشاهدون صوتها "للآخر" كما يفعلون هذه الأيام وهم متابعون لنشرات الجزيرة المهتمة بالثورات العربية.ثوب جديدارتبط برنامج (ساحات الفداء) بشكل كبير باسم الكاتب الصحفي الشهير إسحق أحمد فضل الله لأنه كان يقوم بدور المعد للبرنامج، وبغير منازع حاز البرنامج على لقب الأشهر والأكثر مشاهدة مقارنة بالبرامج الأخرى في تلك الفترة، ولا يزال إسحق يحتفظ بإعداد البرنامج في نسخته الثانية على الرغم من اختفاء باقي التيم العامل معه في تلك الفترة مع إدخال وجوه جديدة.وقال إسحق إن البرنامج لا يعود في شكله التلفزيوني الذي اعتاد عليه المشاهدون من خلال إعلان الاستنفار والتعبئة للقتال، وأشار إلى أن القالب التلفزيوني الجديد للبرنامج طابعه إخباري تحليلي يتناول العمليات العسكرية وتأثيرها على الواقع السياسي في السودان ومستقبله.وأشار إسحق في حديثه لـ(السوداني) إلى أن البرنامج سيأتي هذه المرة في ثوب مختلف عما كان عليه في السابق وسيغلب عليه الجانب الإخباري التحليلي أكثر من الدعوة الجهادية، غير أن حديثه هذا فتح الباب مواربا أمام العديد من الأسئلة على شاكلة: (لماذا الاحتفاظ بذات الاسم ما دام أن البرنامج سيأتي بشكل مغاير؟ ولماذا لم يجتهدوا في إنتاج برنامج باسم آخر؟). وفي هذا السياق قال إسحق أحمد فضل الله: لماذا نجتهد لإعداد برنامج جديد ونحن نمتلك برنامجا ناجحا مثل برنامج ساحات الفداء استطاع أن يحقق درجة عالية من القبول وسط المشاهدين طوال السنوات الماضية، وقال أيضا: "لا يمكن الاستغناء عن برنامج ساحات الفداء ".سر التوقيت وعن سر عودة البرنامج في هذا الوقت بالتحديد قال: (الآن البلاد داخلة في مرحلة جديدة خاصة وهي تخوض الآن عمليات جديدة –دون تحديد نوع تلك العمليات إن كانت عسكرية أم سياسية) وأضاف: (المؤتمر الوطني ينوي أسلمة الدولة) مستدلا على ذلك بالقرار الأخير القاضي بأسلمة الجامعات لا سيما أن عودة البرنامج سبقه استنفار قوات الدفاع الشعبي، بجانب استدلاله بخطاب الرئيس عمر البشير بعد انفصال الجنوب وبالتحديد في ولاية القضارف عن (تطبيق الشريعة الإسلامية) بالإضافة إلى خطاب النائب الأول للرئيس علي عثمان محمد طه في الفترة الماضية الذي وصفه إسحق بالعنيف ولم يقف عند هذا فحسب بل أشار إلى أن الحكومة التي سيعلن لاحقا ستكون حكومة إسلامية "صرف".غير أن المحلل السياسي د. الطيب زين العابدين قال لـ(السوداني): على الرغم من عدم مشاهدته للبرنامج في ثوبه الجديد؛ قال: معرفتي بمعد البرنامج إسحق أحمد فضل الله ومتابعة كتاباته سنوات أجزم بأنه رجل لا يؤمن بالديمقراطية وتابع: "إسحق لديه قناعة بأن القضايا السياسية تحل عبر البندقية فقط"، لافتا إلى أن عودة البرنامج دليل على رغبة المؤتمر الوطني في العودة للمربع الأول، وأضاف: في حال حدوث ذلك يعني دخول البلاد في أزمات جديدة. ولم يستبعد انتقال الأزمة من الأقاليم المضطربة (جنوب كردفان-النيل الأزرق-دارفور) إلى باقي أقاليم البلاد.وأطلق زين العابدين عدة أسئلة من بينها: أسباب إيقاف البرنامج عن البث في الفترة الماضية؟ لكنه عاد وأجاب بالقول: (لأنها كانت تسيئ سمعة السودان خارجيا)، أما عن أسباب إعادة بث البرنامج من جديد، فقد عزا الطيب الأمر لرغبة الوطني العودة لمربع (الإنقاذ الأول) لكنه أشار إلى أن العودة لن تأتي مرة واحدة بل بالتدريج، وختم حديثه بالقول: "الله يستر من عودة بيوت الأشباح" مطالبة ائمةومنذ اشتداد أوار المعارك بين القوات المسلحة والجيش الشعبي في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، دعا عدد من الإسلاميين من خلال منابر المساجد لعودة برنامج ساحات الفداء وطالب خطيب المسجد الكبير الشيخ كمال رزق بضرورة عودة البرنامج إلى شاشات التلفزيون معتبرًا هذا الطلب من ضروريات المرحلة التي عاشها المشهد السياسي من توترات وتصعيد عسكري، وأوضح رزق وفقا لما جاء في الزميلة (الانتباهة) نهاية سبتمبر الماضي أن البرنامج تربوي للشباب والأطفال ويساعد في عملية تربيتهم دينيًا، ولم يبتعد زرق كثيرًا عن المغزى السياسي للبرنامج، وأشار إلى أن عودته سوف تُلجم شياطين الحركة الشعبية وعملاءها، مستدركًا بقوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل».خط الحرببيد أن قوى المعارضة ترى أن الوطني بات في جمهوريته الجديدة يتنبى خط الحرب ويعلي من خياراته العسكرية في حسم القضايا. وأن من يشرفون على البرنامج وعلى رأسهم إسحق يرون أن مفهوم الحوار عندهم يكمن في جز رقاب المعارضين، علاوة على تشكيكهم فى مقدرته على إدارة الحوارات باعتبار أن الحوار يتطلب التفاهم والاستماع وتقدير قيمة الاختلاف في الرأي والموقف، في المقابل وصف إسحق هذا الحديث بـ(الساذج) وقال "لن نطالب المواطنين بحمل السلاح في وجه المعارضة". ومضى بالقول: البرنامج سيبث في ثوب جديد سيكون هدفه الأول تذكير المجتمع بقضاياه علاوة على المخاطر التي تمر بها البلاد، وأردف: "البرنامج لن يعود في شكله القديم الذي اعتاد عليه المشاهدون من خلال إعلان الاستنفار والتعبئة للقتال".العودة للتاريخفي المقابل ثمة من يرى أن البرنامج في السابق كان له خطاب ورؤية تتسق مع مجريات الأحداث والظروف حينذاك، وأن تلك الرؤية والقوالب حفرت في طابع البرنامج وفي أذهان المشاهدين، ووفقا لذلك فإن عرض البرنامج في هذا الوقت أشبه بإعادة عجلة التاريخ للوراء.ويقول المخرج التلفزيوني للبرنامج سيف الدين حسن -أحد جيل المؤسسين- إن برنامج ساحة الفداء كان واحدا من أعظم البرامج التلفزيونية التي أعدت في القرن الماضي، وأضاف سيف الدين لـ(السوداني) أن البرنامج حقق كل الأهداف التي تأسس من أجلها، فهو أتى سندا معنويا للقوات المسلحة في ظل ظروف عصيبة وجبهات مفتوحة، علاوة تجييش الجماهير وتنزيل فكرة الدفاع الشعبي.ومضى سيف الدين إلى أن البرنامج حتى إيقافه حقق أهدافه، وأشار لكتابته مقالا مشهورا في "ألوان" بعنوان (ساحات الفداء ومبررات الخروج من الشاشة) مفاده أن البرنامج حقق أهدافه وانتهت رسالته خاصة أن السلام هبت رياحه بدخول السودان مرحلة جديدة ولم يعد من المناسب فيها رفع رايات الحرب والجهاد والاستشهاد، ويضيف سيف الدين أيضا: ولكن يبدو أن بعض من ألحقناهم بالبرنامج بعد منتصف التسعينيات كان لهم رأي آخر فاتهمونا وقتها بالتخوين وتثبيط الهمم، ولكن يبدو أن بوصلتهم السياسية كانت معطوبة قبل أن تصدر القيادة السياسية قرارا بإيقاف البرنامج.ويمضي سيف الدين في حديثه ويقول إن عودة البرنامج تأتي في إطار الحنين للماضي والأشواق، فخطاب المرحلة يختلف تماما عن ذلك الوقت، وثمة من يريدون إعادة البرنامج، ورئيس الجمهورية عمر البشير يتحدث عن ملامح الجمهورية الثانية التي تجاوزت مرحلة الحرب.صورة جيدةويشدد سيف الدين حسن، على مقدمي النسخة الجديدة من البرنامج بضرورة المحافظة على الصورة الجيدة والمشرقة، معتبرا ألا ضرورة لعودة البرنامج مرة أخرى، مؤكدا على أن البرامج السياسية الموجودة حاليا بالتلفزيون وبقية القنوات الفضائية بإمكانها توصيل تلك الرسالة، وأنه في حالة عدم اقتناع القائمين على الأمر فإنه يمكن لهم تقديم برنامج جديد.وبالإشارة لمجمل الانتقادات التي واجهت البرنامج حول تجييشه للشعب وزرعه للفتنة بين أفراد الشعب السوداني، يرى سيف الدين خلاف ذلك ويؤكد أنه مقتنع تماما بالبرنامج وعمل فيه بمختلف الأدوار من المراسل الحربي والسيناريوست وانتهاءا بالمخرج ويتحمل وفقا لذلك كل ما جاء في البرنامج ويقول: كل الدول تدافع عن أمنها ضد متمرديها، والبرنامج قام بهذا الدور على أكمل وجه، ويختم حديثه بالقول: " أرجو الالتفات لأسر طاقم شهداء البرنامج، فالبرنامج انبنى على مسيرة من عبروا وكتب نجاحه بأرواحهم ودمائهم".برامج أخرىومن المهم الإشارة هنا لوجود برنامج (جنود الوطن) الذي يبث على قناة الفضائية السودانية كل يوم جمعة الساعة 11مساء ويتحدث فيه عن تضحيات وبطولات القوات المسلحة السودانية وقوات الدفاع الشعبي وشهدائهم، وهو ما يمثل نسخة منقحة من برنامج (ساحات الفداء)، ولكنه في المقابل لم يحظ بشعبية سابقة لاعتبارات عدة.وبالعودة لتاريخ مثل هذا النوع من البرامج نجد أن برنامج (جيشنا) كان هو الأول من نوعه وجاءت فكرته عقب أحداث انتفاضة ابريل 1985، بهدف أن يكون حلقة وصل بين الجيش والشعب، بجانب إكساب المشاهد السوداني قدراً من الثقافة العسكرية.سيرة ومسيرةوبالعودة لبرنامج (ساحات الفداء) الذي بدأ بثه في عام 1989 وأوقف آخر 2004 والحكومة على مشارف توقيع نيفاشا، فإنه بدأ بمؤسسة الفداء التي سجلت مؤسسة تابعة لرئاسة الجمهورية، بعد أن نبعت فكرتها من ثلاثة أشخاص هم: الرائد عثمان عمر والملازم عمر عبد العزيز وأخيرا عوض جادين –المدير الحالي لوكالة السودان للأنباء-. فيما كان لعوض جادين بصمات واضحة على البرنامج ما زال أثرها باقيا فهو من مؤسسيه وأول مخرج للبرنامج وقد صمم شعار البرنامج بنداء (البروجي) المعروف.ليحظى بعدها البرنامج برعاية المشير الزبير محمد صالح وخالص دعمه، ليبدأ البرنامج من استديوهات منظمة الدعوة الإسلامية بالرياض، قبل أن يغادرها ويعمل بشكل منفصل بعد أعوام قليلة بإمكانيات وصفت بأنها أكبر مما وفر للتلفزيون القومي.بعد الزبير انتقلت رعاية البرنامج للعقيد إبراهيم شمس الدين، بجانب الفريق الهادي عبد الله والفريق أول عبد الرحيم محمد حسين.ولم يمض الأمر كثيرا قبل أن يتولى أسامة عبد الله أمر الخدمة الوطنية، ويطلب من عبد الرحيم محمد حسين دعمه بمؤسسة إعلامية لتعزيز مفاهيم الخدمة، ليوكل له حسين أمر مؤسسة الفداء ليتولى أسامة بنفسه رئاسة مجلس إدارتها، ويوكل لكمال حسن علي إدارة البرامج، ومن ثم يصبح حسن طه المدير التنفيذي للمؤسسة – وما يزال-.وقد شهدت فترة نهاية التسعينيات ما يعرف بـ(المجزرة الكبرى) في مؤسسة الفداء حيث فصل قرابة ستة عشر مما يعرف بجيل المؤسسين للبرنامج، ومنذ ذلك الوقت تخلق جيل جديد تسلم راية برنامج (ساحات الفداء)ومن ذلك الوقت تحولت مؤسسة الفداء للعمل في سوق الإنتاج الإعلامي مثلها مثل بقية الشركات قبل أن تتعاقد حصريا لإنتاج برامج قناة الشروق.تأثير واضحويرى مراقبون أن برنامج (ساحات الفداء) مثل علامة فارقة في تاريخ الإعلام ليس على مستوى السودان ولكن على مستوى العالم، باعتباره برنامجا دعائيا من الطراز الأول أعجب به زعيم تنظيم القاعدة إبان وجوده بالخرطوم فنقل تجربته بحذافيرها للقاعدة وأسس مؤسسة السحاب على غرار الفداء وبدأ في استلهام تجربة البرنامج في الحشد والتجييش العاطفي وهو الأمر الذي ما زال يطبع مسيرة إعلام القاعدة حتى الآن.في المقابل ثمة من يرى أن تجربة القنوات الفضائية وتغطيتها للأحداث الحية كالثورات والمعارك الحية كالتي تقوم بها قناة الجزيرة في هذا الوقت فيه استلهام واضح لتجربة المراسلين الحربيين التي قام بها البرنامج قبل أكثر من عقدين من الزمان.

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق